كانت المخابرات السورية على علم بأن عميلها الارهابي شاكر العبسي يعدّ نفسه للاطلالة في شريط مصور يبث على واحدة من الفضائيات العربية. الرسالة التي وصلتها منه لم تجزم بأن هذا الشريط سيتم تسليمه الى قناة “الجزيرة” القطرية، مما أوقع هلعا استثنائيا في دمشق، ذلك أن الاصرار على إضفاء ضبابية على الوسيلة الاعلامية المنتقاة فيه تهديد واضح من العبسي للمخابرات السورية بكشف المستور، إذا لم تبادر الى استعمال أسلحتها الفتاكة لجعل مخيم نهر البارد خطا أحمر ممنوع على الجيش اللبناني عبوره، لا بالقوة العسكرية ولا بخطة أمنية.
ووفق المعلومات التي تجمعت لدى أكثر من مرجعية أمنية عربية وأوروبية مهتمة جدا بما يحصل في الشمال اللبناني، فإن شاكر العبسي اشترط على المخابرات السورية ليبقي على غلافه التجاري “علامة القاعدة” أن يبادر “حزب الله”، بصفته أقوى حلفاء النظام السوري في لبنان، الى توفير الحماية العاجلة لتنظيمه الذي يكاد يصبح مكشوفا بفعل إصرار سكان مخيم نهر البارد على النزوح منه، على الرغم من التهديدات التي يحاول بها ثنيهم عن ذلك.
نصرالله والعبسي
هنا تحديدا تقع الخطورة الاستراتيجية لكلمة السر التي تضمنتها الاطلالة الأخيرة للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله: إبتعد عن توصيف “فتح الاسلام”. دعا الى وقف الاقتتال، بمجرد ان اشترط ـ “على من تدعي انها دولة” ـ اتباع الوسائل القضائية لتحديد العقوبة الواجب إنزالها بأفراد هذا التنظيم. العدالة هنا تعني، بين ما تعنيه، اصدار أحكام غيابية، أي وجوب التراجع عن شرط استسلام الجميع. طالب بلجنة تحقيق لمعرفة “أسباب اندلاع المعارك”. عمليا هو صنع المكونات للخط الأحمر الذي رسمه حول مخيم نهر البارد.
حينها أطل العبسي. إطمأنت المخابرات السورية الى ان الشريط المسجل سيتم تسليمه الى قناة “الجزيرة” القطرية بصفتها المنبر الذي تعتمده الحركات التي تعلن انتسابها الى تنظيم “القاعدة”.
باستثناء الكوفية الفلسطينية التي وضعها العبسي على رأسه، ليس ثمة فارقا بين اطلالته واطلالة نصرالله. في الشكل، الإثنان أطلاّ من خلال شريط مسجّل جرى بثّه على قناة تلفزيونية تحظى برضى النظام السوري. “المنار” لـ”حزب الله”. “الجزيرة” لـ”تنظيم القاعدة”. والتشابه الشكلي سحب نفسه على المضمون. العبسي لمّح، كما نصرالله، الى مسؤولية قوى الأمن الداخلي (!) عن جريمة اغتيال شهداء الجيش اللبناني. هاجم الولايات المتحدة الاميركية ومن يدور في فلكها. شن هجوما على سمير جعجع من دون أن يسميه. نصرالله أيضا لم يسمه. الاثنان حيّدا ميشال عون، مع ان من وصفه نصرالله بـ”احد الابطال الذي دعا في الايام الاولى الى حسم الوضع في المخيمات” ينطبق، عمليا على عون، أكثر مما ينطبق على جعجع.
العبسي والاشتباه بـ”خيانة سورية”
إطلالة نصرالله أراحت العبسي. ثمة من يقول إن زعيم “فتح الاسلام” أبلغ بمضمون كلام زعيم “حزب الله” قبل ان يجري بثه على التلفزيون. قبل ذلك كان العبسي متوترا ويتحدث ـ كما سجلت تقارير واردة من مخيم نهر البارد ـ عن “خيانة سورية”.
خيانة كان قد بدأ العبسي يشتبه بوجودها استنادا الى المعطيات الآتية:
أولا، عندما تمكنت الشرعية اللبنانية من الحسم في طرابلس، وسط تهليل شعبي. بالنسبة اليه ما حصل في عاصمة الشمال كان النقيض الكلي للمعلومات التي سبق وتلقاها من “مرشد القاعدة في بلاد الشام” فتحي يكن، بأن أي هجوم على “فتح الاسلام” سيقابل بانتفاضة شعبية من كل “المجاهدين”، سواء منهم أولئك الذين يوجههم هو شخصيا ويوفر لهم الدعم من دمشق او يتولى “حزب الله” تمويلهم من “الموازنة الايرانية”.
ثانيا، عندما ظهر للعبسي أن التقارير التي افيد بها عن وضعية الجيش اللبناني هي تقارير مزورة، بحيث بدا الجيش أقوى مما قيل عنه، وأكثر تصميما على حماية مواقعه مما تمّ إبلاغه اليه، وأكثر وحدة مما تمّت إفادته به، وأن العماد ميشال سليمان أصلب مما يتم الايحاء به، وأن موقع الوزير الياس المر في المؤسسة العسكرية ارفع شأنا مما يقال عنه، وأن الفوارق التي كثر التسويق لوجودها بين الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لا يمكن ان تؤدي لا الى صدام بينهما ولا الى وقوف الجيش على الحياد في المعركة.
ثالثا، عندما تلمس العبسي ان “الحلفاء” في المخيمات الفلسطينية الأخرى لم يكونوا على






















